فخر الدين الرازي
27
تفسير الرازي
أحد وهو كقوله تعالى : * ( وما أنا بظلام للعبيد ) * ( ق : 29 ) من حيث نفى كونه ظالماً مبالغاً ، ولا يلزم منه نفي كونه ظالماً ، وقلنا هناك : إنه لو ظلم عبيده الضعفاء بغير حق لكان في غاية الظلم وليس في غاية الظلم فلا يظلمهم أصلاً . المسألة الثالثة : إذا قلت : إن معناه ليس لها نفس كاشفة ، فقوله : * ( من دون الله ) * استثناء على الأشهر من الأقوال ، فيكون الله تعالى نفساً لها كاشفة ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : لا فساد في ذلك قال الله تعالى : * ( ولا أعلم ما في نفسك ) * ( المائدة : 116 ) حكاية عن عيسى عليه السلام والمعنى الحقيقة . الثاني : ليس هو صريح الاستثناء فيجوز فيه أن لا يكون نفساً الثالث : الاستثناء الكاشف المبالغ . ثم قال تعالى : * ( أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ) * . قيل : من القرآن ، ويحتمل أن يقال : هذا إشارة إلى حديث : * ( أزفت الآزفة ) * ( النجم : 57 ) فإنهم كانوا يتعجبون من حشر الأجساد وجمع العظام بعد الفساد . * ( وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ ) * . وقوله تعالى : * ( وتضحكون ) * يحتمل أن يكون المعنى وتضحكون من هذا الحديث ، كما قال تعالى : * ( فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون ) * ( الزخرف : 47 ) في حق موسى عليه السلام ، وكانوا هم أيضاً يضحكون من حديث النبي والقرآن ، ويحتمل أن يكون إنكاراً على مطلق الضحك مع سماع حديث القيامة ، أي أتضحكون وقد سمعتم أن القيامة قربت ، فكان حقاً أن لا تضحكوا حينئذ . وقوله تعالى : * ( ولا تبكون ) * أي كان حقاً لكم أن تبكوا منه فتتركون ذلك وتأتون بضده . * ( وَأَنتُمْ سَامِدُونَ ) * . وقوله تعالى : * ( وأنتم سامدون ) * أي غافلون ، وذكر باسم الفاعل ، لأن الغفلة دائمة ، وأما الضحك والعجب فهما أمران يتجددان ويعدمان . * ( فَاسْجُدُواْ لِلَّهِ وَاعْبُدُواْ ) * . يحتمل أن يكون الأمر عاماً ، ويحتمل أن يكون التفاتاً ، فيكون كأنه قال : أيها المؤمنون اسجدوا شكراً على الهداية واشتغلوا بالعبادة ، ولم يقل : اعبدوا الله إما لكونه معلوماً ، وإما لأن العبادة في الحقيقة لا تكون إلا لله ، فقال : * ( واعبدوا ) * أي ائتوا بالمأمور ، ولا تعبدوا غير الله ، لأنها ليست بعبادة ، وهذا يناسب السجدة عند قراءته مناسبة أشد وأتم مما إذا حملناه على العموم . والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على سيدنا محمد سيد المرسلين ، وخاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .